أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
36
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1898 - فإنّك كالموت الّذي هو مدركي * وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع « 1 » وتناءى : تباعد ، ومنه : النّؤى للحفيرة التي حول الخباء ، ليبعد عنه الماء وقرىء وَنَأى بِجانِبِهِ « 2 » وهو مقلوب من : نأى ، ويدل على ذلك أن الأصل هو المصدر ، وهو : النأي بتقديم الهمزة على حرف العلة . قوله : وَإِنْ يُهْلِكُونَ إن : نافية كالتي في قوله : إِنْ هذا . و : أَنْفُسَهُمْ مفعول ، وهو استثناء مفرغ ، ومفعول « يَشْعُرُونَ » محذوف إمّا اقتصارا وإمّا اختصارا ، أي : وما يشعرون أنّهم يهلكون أنفسهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 27 ] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) قوله : وَلَوْ تَرى . جوابها محذوف لفهم المعنى ، التقدير : لرأيت شيئا عظيما ، وهو لا فظيعا وحذف الجواب كثير في التنزيل ، وفي النظم كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً « 3 » ، وقول الآخر : 1899 - وجدّك لو شيء أتانا رسوله * سواك ، ولكن لم نجد لك مدفعا « 4 » وقوله : 34 - فلو أنّها نفس تموت جميعة * ولكنّها نفس تساقط أنفسا « 5 » وقول الآخر : 1900 - كذب العواذل لو رأين مناخنا * بحزيز رامة ، والمطيّ سوام « 6 » وحذف الجواب أبلغ ، قالوا : لأن السامع تذهب نفسه كل مذهب ، فلو صرح له بالجواب وطن نفسه عليه ، فلم يحسن منه كثيرا ، ولذلك قال كثيّر : 1901 - فقلت لها يا عزّ كلّ ملمّة * إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت « 7 » و « تَرى » يجوز أن تكون بصرية ، ومفعولها محذوف ، أي : ولو ترى حالهم ، ويجوز أن تكون القلبية ،
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 81 ) ، العمدة لابن رشيق ( 2 / 178 ) ، معاهد التنصيص ( 1 / 330 ) ، الكامل ( 3 / 33 ) ، المصون ( 67 ) ، اللسان ( نأى ) المنتأى اسم موضع من انتأى عنه أي بعد . هذا البيت من قصيدة يمدح بها الشاعر النعمان ملك الحيرة . ( 2 ) سورة الإسراء ، آية ( 83 ) . ( 3 ) سورة الرعد ، آية ( 31 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) البيت لامرىء القيس انظر ديوانه ، ( 107 ) شرح الحماسة ( 2 / 792 ) ، ابن يعيش ( 9 / 8 ) ، العمدة لابن رشيق ( 1 / 251 ) ، اللسان ( جمع ) . الشاهد : حذف جواب « لَوْ » لعلم السامع به . والتقدير : لكان ذلك أخف على ، إلا إذا قدرت « لَوْ » للتمني فلا تحتاج حينئذ لجواب . ( 6 ) البيت لجرير . انظر ديوانه ص 417 من قصيدة يجيب فيها الفرزدق ، وهي من بحر الكامل . الحريز : المكان الغليظ وهو اسم لعدة أماكن في بلاد العرب الشاهد فيه كسابقه حذف جواب « لَوْ » . ( 7 ) انظر الديوان ( 97 ) ، معجم الشعراء ( 243 ) ، الكامل ( 1 / 324 ) ، الإنصاف ( 2 / 462 ) ، التهذيب ( 14 / 28 ) ، ( وطن ) اللسان ( وطن ) . الملمة : يقال ألم بفلان أمر أي نزل به . ذلت : خضعت .